الواحدي النيسابوري

46

الوسيط في تفسير القرآن المجيد

والمعنى : إنّ قياس خلق عيسى من غير ذكر ، « 1 » كقياس خلق آدم . ومعنى عِنْدَ اللَّهِ : أي في الخلق والإنشاء . ثم ذكر خلق آدم فقال : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ « 2 » يعنى قالبا « 3 » من تراب لا روح فيه ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ بشرا فَيَكُونُ بمعنى فكان . وهذا ممّا أريد بمثال المستقبل فيه الماضي ، كقوله تعالى : تَتْلُوا الشَّياطِينُ « 4 » . 60 - وقوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ قال الفرّاء والزّجاج : الْحَقُّ مرفوع بخبر ابتداء محذوف ، على تقدير : الذي أنبأتك من قصّة عيسى الحقّ ، فحذف لتقدّم ذكره « 5 » . وقال أبو عبيدة : الْحَقُّ « 6 » ابتداء ، وخبره مِنْ رَبِّكَ ، كما تقول : الحقّ من اللّه والباطل من الشّيطان . وقوله : فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . الخطاب للنّبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، والمراد به نهى غيره عن الشّكّ ، كما قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ « 7 » . و « الامتراء » : الشّكّ . و « الممترى » : الشّاكّ . ويقال : للشّكّ : المرية « 8 » .

--> ( 1 ) حاشية ج : « من غير أب كما أن خلق آدم من غير أب وأم » ( 2 ) حاشية ج : « وهذا من تسمية الغريب بالأغرب ؛ لأن خلق آدم أغرب من خلق عيسى ؛ ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس ، وهذا دليل على جواز القياس » . ( 3 ) القالب : الشئ الذي تفرغ فيه الجواهر ليكون مثالا لما يصاغ منها : ( اللسان - مادة : قلب ) . ( 4 ) سورة البقرة : 102 . حاشية ج : « : أي تلت الشياطين » وانظر معناها أيضا فيما سبق من هذا الكتاب ( 1 : 163 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 103 ) . ( 5 ) ( معاني القرآن للفراء 1 : 220 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 103 ) وفي ( معاني القرآن للزجاج 1 : 428 ) « المعنى الذي أنبأناك به في قصة عيسى عليه السّلام [ هو الحق ] من ربك » . ( 6 ) ب : « هو ابتداء » والإثبات عن أ ، ج . ( مجاز القرآن لأبى عبيدة 1 : 95 ) وفي ( تفسير القرطبي 4 : 103 ) قال أبو عبيدة : هو استئناف كلام ، وخبره في قوله : مِنْ رَبِّكَ » . ( 7 ) سورة الطلاق الآية الأولى . وهو اختيار الزجاج : ( معاني القرآن للزجاج 1 : 428 ) وإليه ذهب جمهور المفسرين . قال القرطبي : « الخطاب للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمراد أمته ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السّلام » . ( 8 ) المرية والمرية : الشك والجدل - بكسر الميم وضمها - وقرئ بهما قوله تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [ سورة هود : 17 ] : ( اللسان - مادة : مرا ) .